مع العنف الأسري ثانية

سمير النشمي

لا يخفى على الجميع أنّ موضوعة العنف الأسري أخذت مجالات واسعة من النقاش على مستوى الاعلام المقروء والمسموع والمرئي ، بل وعلى مستوى صفحات الفيس بوك وعلى مستوى المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان ، ومع ذلك لم نجد حلاً ينهي هذه الظاهرة ولا حتى أن يحدّ منها ، بل راح البعض يؤشر أي حالة شاذة وينسبها إلى العنف الأسري ..

كما أنّ أغلب المتحدثين عن العنف الاسري يركزون على تعنيف الرجال للنساء سواء بالكلام الجارح أو بالضرب المبرح ، وأحيانا بالقتل ، في حين أنّ الحقيقة تقول أنّ العنف الاسري هو جزء من أجزاء العنف الاجتماعي ، ولكنه أبرز صورة فيه لذلك يكثر الحديث عنه تعاطفا مع المرأة ..

ولكنّ الحقيقة التي لا تقبل لبساً أو غموضاً تقول أنّ هذا العنف الاجتماعي والاسري ينطلق من سببين رئيسن ، الأول ( الجهل ) والثاني ( الفقر والحاجة ) أمّا الجهل فلا أعني به عدم التعلم أو الأمية قراءة وكتابة ، بل حالة الجهل هذه قد تكون مبدءً لحالات من الجهل في مجالات أخرى من مناحي الحياة ، وهذا ما نراه واضحاً في التعصب تجاه فكر معين ، أو نمط حياتي معين ، أو شخص ما لا تتمثل فيه مقومات الحق والعدل والرجولة المبدئية ، إذن الجهل الذي أعنيه هو عدم الوقوف على ما أراده الله تعالى للإنسان في عملية التنظيم الأسري ، فالمرأة لها حقوق وعليها واجبات كما للرجل ، ولا فرق بين الأثنين سوى بالتكوين البيولوجي والنفسي ، والاختلاف الذي قد يحصل بين الأثنين وربما قد يؤدي إلى حدوث مشكلة كبيرة ، يترك الحل في الرأي الأخير للرجل ، من خلال مبدأ القوامة في قوله تعالى ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله …)

ونتائج الرأي الأخير للرجل يتحمله الرجل لوحده ، والمرأة بريئة من كل النتائج العكسية ، وإن كانت ستنعكس عليها وعلى الأسرة في النهاية .. إذن الجهل بما أراده الله للأسرة وما يترتب من حقوق وواجبات على كل طرف فيها يؤدي إلى انعدام العنف في المجتمع ، وليس إلى تقليله أو تحجيمه ، فالمؤمن والمؤمنة ، يعرف ويدرك كل واحد منهما ما له وما عليه ، وأيُّ شطط من أي طرف منهما ، ومن أجل أن يبقى البناء الأسري قائما يتم تحكيم طرف ثالث ( حكماً من أهله وحكما من أهلها ) إذا لم تكن للزوجين القدرة على التفاهم في حل هذه النزاعات ..

وأمّا الفقر والحاجة فإنهما من الأمور التي تخرج الإتسان رجلاً كان أو امرأة عن قيمه ومبادئه ، إذا لمْ يكن محصناً بمبدأ القناعة ، وكما قالوا في الأمثال ( القناعة كنز لا يفنى ) ولشدة ضغط الفقر على الانسان يقول إمام المتفين الإمام علي (ع ):- لو كان الفقر رجلاً لقتلته ..! الفقر والحاجة المستديمة سلاحان من اسلحة تدمير الاسرة ، وتفكيكها ، وغزو الأمراض الاجتماعية لعالمها ، فمن لا يمتلك القناعة يعتبر نفسه دائماً أنه دون الآخرين ، وهذا الشعور قد يدفعه إلى ركوب الصعب من أجل أن يكون بمستواهم إنْ لمْ يكن أحسن منهم ، ودافعه في هذا الشعور الغيرة ، بل وربما الحسد ، لذلك هو سيتنافس ويتصارع مع الحياة وبأي وسيلة ممكنة مشروعة أو غير مشروعة ، وبما أن الوسيلة المشروعة صعبة التحقيق ، لأنها محكومة بنظام يعتمد على الحلال والحرام ، فإنه سيجازف في ترك الحلال واللجوء إلى الحرام لجهله بمبدأ الحلال والحرام ، فهذه الغيرة التي تدفع صاحبها إلى أن يساوي الآخرين أو يتفوق عليهم قد تدفع الرجل والمرأة إلى بيع قيمهم ومبادئهم ، بل حتى يبيعون أجسادهم من أجل ازاحة الحاجة وقتل الفقر ، فقد يسرق وقد يغش ، وقد يزوّر وقد يتاجر بالممنوعات والمحرمات ، فحاجته إلى المال تدفعه إلى كل هذه الامور وغيرها ، ومع ذلك فإنّ هذا السلوك المنحرف سيجعل الآخرين يطمعون به ، بل ويحذون حذوه ممن هم على شاكلته ويسلكون سلوكه ..

فالغيرة تعني عدم الرضا بالمقسوم ، وعدم التكيف بما يحصل عليه ، ولا يقتنع بما بين يديه ، لذلك فالجهل يؤدي إلى العنف وإلى الانحراف ، لأن الإنسان من خلاله لا يعرف حقوقه ولا واجباته ومن لا يعرف حقوقه لا يعرف ولا يعترف بحقوق الآخرين ، كما أن الفقر والحاجة تجعل الإنسان يغمض عينيه ويصمُّ أذنيه عن كلِّ حقٍّ وحقيقة ، بل هو سيمضي لممارسة شعوذاته من أجل تحقيق أهدافه غير المشروعة وعلى رأسها حصوله على المال بأي وسيلة كانت لسد فقره وحاجته من خلاله ..

وهناك سبب مهم يدفع إلى شيوع الجهل والفقر في المجتمع مما يؤدي بعد ذلك إلى بروز ظاهرة العنف الاجتماعي والعنف الأسري ، وهذا السبب يمكن أنْ نعتبره سبب الأسباب كلها ، ويتعلق أساساً بالحاكم في أيِّ مكان وفي أي عصر ، فعندما يكون هناك حاكم عادل يدير شؤون البلاد والعباد وفق مبدأ العدالة وتوزيع الثروة بين الجميع بدون تمايز ويشجع العلم ويضع القوانين الجادة والفعالة للحد من نزوات بعض النفوس الضعيفة ، فإنّ المجتمع سيتربى وفق هذا المنهج ، وإذا ما تسلط حاكم لا يقيم مبدأ العدالة في حكمه ، بل يفضل اشباع شهواته وشهوات تابعيه ، فإنه سيزيد الفقراء فقراً ، والجهلاء جهلاً ، وبالتالي انحلال المجتمع وزيادة العنف الاجتماعي والاسري ، وتكثر الجريمة والتحايل وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية ..

لذلك من جملة وصايا رسول الله ( ص ) في النساء قوله:- المرأة ريحانة وليست قهرمانة ..! وقوله ( ص ):- استوصوا بالنساء خيراً ..! وقوله ( ص ):- ما أكرمهن إلّا كريم وما أهانهنّ إلّا لئيم ..!

Please follow and like us:

شاهد أيضاً

لماذا قانون الانتخابات والدوائر المتعددة الصغيرة ؟

د. سامي شاتي يتركز الجدل حاليا حول أهمية الدوائر الانتخابية المتعددة، وقبالها الدائرة الإنتخابية الواحدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.