جدلية النجاح و الرسوب في ظل جائحة كورونا

بقلم الدكتور طارق عبد الحافظ الزبيدي

إن فلسفة النجاح و الرسوب ليس بالضرورة هي فلسفة خاصة بالعملية التعليمية بل هي ظاهرة عامة مختلفة الابعاد ، و الاختلاف نابع من اختلاف الادوار التي يقوم بها الانسان سواء كان باحثاً او طالباً او عالماً او طبيباً ، لا بل هناك مستويات لتلك المعايير .

فعلي المستوى الاجتماعي نجد الاب الناجح و الاب الفاشل ، و على مستوى  الديني نجد الواعظ الناجح و الفاشل ، وعلى المستوى الاقتصادي نجد التاجر الناجح و الفاشل ، وحتى على المستوى السياسي نجد رجل السلطة الناجح و الفاشل.

فالاختلاف ناجم عن الدور الذي يعمل في اطاره الانسان ، ولكن هناك قاسم مشترك بين جميع تلك التصنيفات الا و هي طريقة التعلم و التربية بعدها الاساس الذي مرت به كل الفئات التي ذكرت اعلاه .

قد يستغرب القارئ الكريم من تخصص كاتب هذه السطور كونه متخصص في العلوم السياسية و و لكنه يكتب في موضوع يحمل في طياته جانب  ( اجتماعي – تربوي – فلسفي ).

نؤكد أن السياسة هي ان تعرف شيء عن كل شيء ، وهي تدخل في كل تفاصيل الحياة فما بالك بموضوع يحدد طبيعة معيار النجاح و الفشل ، بمعنى اخر ان الكتابة في هذا الموضوع هو ليس من باب التطفل على اختصاصات الاخرين ، على العكس نتمنى ان نعرف قيمة وجود الفشل لكي يكون الاساس و المرتكز لبناء النجاح .

لاأحد ينكر اهمية النجاح بالنسبة للطلبة و لعوائل الطلبة ، ومقابل ذلك لا يرغب أحد ان يمر بمرحلة الرسوب او الفشل ، فالنجاح رغبة مصلحية ذاتية فطرية ، وهنا يتبادر الى الاذهان ان الرسوب شيء سلبي يجب ان يحذف من قاموس حياته .

ولذلك نجد بعض البلدان تحقق نسبة نجاح متقدمة يصل البعض منها بالذات في المنطقة العربية الى 100% ، وفي اطار هذه المقالة المتواضعة اضع بين ايدي القارئ الكريم فكرة قد اكون مخطا بها ، ويمكن اختصار هذه الفكرة بالقول ( ان اهمية الرسوب مثل اهمية النجاح ، بل ان الفشل احد ابرز مرتكزات النجاح ) ، كيف ذلك ؟

هنا قد يستغرب الكثير من طلبتي في العراق او ممن يقرأ كلماتي هذا الراي ، وقد يدخله البعض في زاوية التشائم ، و البعض الاخر يدخله في زاوية الانانية وعدم حب الخير ، لكن عند قراءة التفاصيل تتضح الفكرة اكثر .

أن الحديث عن اهمية وجود الرسوب ليس بالضرورة حديث عن ضرورة تشابه النسب بل كل املي ان تكون نسبة النجاح اضعاف نسبة الرسوب ، لكن ان تكون نسبة النجاح 100% او 90% خاصة في ظل التعليم الالكتروني ( امتحان الكتاب المفتوح ) .

حيث هذه النسبة تجعل الموقف التعليمي محرج الى حدا كبير ، ويجعل مصداقية هذه النسب محط تشكيك ، و الأهم من هذا و ذلك أن فيه ظلم كبير لكل طالب أو باحث مجتهد ، وفيه مكافئة مجانية لكل من تكاسل ، و الجانب الأهم بالموضوع سوف يساهم في اعتماد الكم على حساب الكم .

بالمناسبة ان الضرر المتوقع في المنطقة العربية اكثر اضعاف المرات من الضرر المتوقع في الدول الاوربية ، من حيث كون الدول الاوربية لديها الاليات الكفيلة التي تساهم في ضبط الامتحان حتى وان كان بطريقة افتراضية الكترونية ، فضلا عن ان الدول الاوربية قد سبقت الدول العربية في اعتماد التعليم الالكتروني .

أن الفشل في محاولة معينة ليس بالضرورة هي دلالة على فشل الشخص بذاته ، بل على العكس ، قد يكون من فشل في امتحان او اختبار ما هو الا نتيجة ظروف اجتماعية او صحية خارج ارادته ، وقد يكون نتيجة عدم فهم المادة المراد الاختبار فيها وبالتالي هناك حاجة فعلية لغرض اعادة المحاولة .

أن زيادة نسبة النجاح بشكل ملحوظ مقابل تدني نسبة الرسوب بشكل ملحوظ في ظل تفشي جائحة كورونا عند طريق التعليم الالكتروني قد تساهم مع مرور الوقت بجعل التعليم مسالة وقت و تحصيل حاصل ليس الا ، بمعنى ان الطالب يحتاج فقط الوقت ودفع الرسوم المطلوبة و الانتظار لغرض التحول الى المرحلة التي تليها .

أن الحصول على النجاح ليس بالضرورة بشكل سهل دائما ، بمعنى ان يكون الطريق معبد امامك تسير فيه دون اي معوقات ، بل على العكس ان فلسفة النجاح ترتكز على كيفية تجاوز العقوبات ، بمعنى اخرى ان العبرة من النجاح هو ليس الانتقال الى المرحلة التي تليها بقدر اهمية الاستفادة من معلومات تلك المرحلة .

و لا يمكن اعتماد اي معيار هنا سوى معيار النجاح و الرسوب ، و هنا تظهر بشكل واضح غاية الراغب بالنجاح و الراغب بالفشل ، فالأول دائما ما يفكر في ايجاد الحل العلمي ، في حين الثاني دائما ما يفكر في ايجاد المخرج الذي يؤهله تجاوز المرحلة حتى وان كان اساسه الخداع و المراوغة .

السبب الرئيس في الكتابة عن هكذا مواضيع هو ان بعض البلدان اخذت تجعل من العلم مكرمة وتعويض ، وهذا يفترض ان لا يكون ، فالإمكان تعويض من تضرر نتيجة اسباب سياسية او اجتماعية او اقتصادية او ثقافية مر بيه بلده بدل نقدي او مكافئة منحه وظيفة ، وليس هناك ضير ، لكن ان تمنحه شهادة علمية هذا خطا فادح في حق العلم ، لان العلم لا يمنح وفق مكرمة بل العلم يستحصل من خلال جهد مبذول من قبل طالب العلم .

صحيح ان بعض حالات النجاح و الفشل تساهم في صناعتها الاحداث و الظروف السياسية و الاقتصادية ، لكن هناك شواهد عديدة اثبتها التاريخ ان عدد المتفوقين ممن يعيشون حياة اقتصادية اصعب بكثير ممن هم فاشلين في دراستهم ولكن في نفس الوقت يتمتعون بحياة مترفة و وضع اقتصادي ممتاز .

لذلك الوضع الاقتصادي مهم لكن ليس عائق امام النجاح ، فلا يمكن ربط ظاهرة النجاح بالمال فقط ، فالكثير من العلماء و الفلاسفة و المفكرين لم يكونوا اغنياء بل العكس اغلبهم ماتوا و هم في عوز اقتصادي شديد .

هناك مقاربة بالإمكان اعتمادها و التطرق لها هنا ، تتمثل في العلاقة بين نسبة النجاح في بعض البلدان  العربية و نسب الانتخابات الشكلية و التي  تكون نتائجها مقاربة الى حداً كبير مع نسب النجاح المرفوضة من قبلنا  .

فالزعيم المستبد يرغب بنسبة 100% و في احيان ينزع الى ما كانت النسبة اقل من ذلك ، في حين نجد ان هذا الاجراء يفتقر للذكاء و الكياسة ، فمن اذكاء جعل النسبة تتوافق مع الرغبة البشرية المتقلبة ، فلا يمكن ان يكون هناك رضا مطلق او رفض مطلق ، بل ان حتى انبياء الله تعالى قد رفضوا من قبل البعض ، لذلك فان النسب المعقولة تبقى هي الاساس و النسب المبالغ فيها تبقى محل شك قائم .

ومما سبق يتضح ان انتقال عدوى النسب المطلقة من حقل السياسة الى حقل التعليم فيه مخاطر كبيرة ، لان مضار الثاني اكثر من الاول كون تداعياته سياسية  ، في حين الثاني تداعياته تربوية كارثية ، كون الانظمة المستبدة مهما استمرت مصيرها الزوال في ظل تسارع التطورات السياسية في البلدان العربية في حين رسوخ هذه الظاهرة في الحقل التعليمي سوف تتجذر و بالتالي هناك صعوبة بالغة في تجاورها .

في خاتمة القول نؤكد ان النجاح هو هدف اساسي و جوهري لكل انسان دون استثناء ، لكن يسعى نحو البعض بجد وجهد ، و يريد الاخر ان يحققه دون جد و جهد ، و الفرق و اضح بين الاول و الثاني ، فأقل ما يقال أن الأول يعمل بجد و بحاجة الى تقييم موضوعي لكي يتحقق له الدافع بالاستمرار ، و الثاني لا يعمل و يتكاسل فهو بحاجة إلى تقييم حقيقي يجعله يعيد الحسابات ويستفاد من تجربة الفشل لكي تكون الدافع نحو النجاح و ليس العكس .

Please follow and like us:

شاهد أيضاً

في العراق.. الأجيال تتصادم والديناصورات تتشبثّ

عدنان أبوزيد المراهنة على اسقاط التجربة الديمقراطية العراقية، تبدأ بتعزيز الفكرة القائلة بانها غير خلاّقة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.