حسن العلوي و رحلتي مع محسن حسين

محمود الحسيني

لا تربطني أي علاقة شخصية بالأستاذ حسن العلوي، لكني رأيته لمرة واحد او مرتين في مناسبات معينة بحكم عملي الصحفي، ثم تواصلت معه عن طريق الهاتف المحمول لمرات قليلة، وحديثنا لم يخرج من الحديث عن استاذي الأول شيخ الصحفيين محسن حسين، واثناء الحديث طلبت منه ان نلتقي في بغداد، وذات يوم أرسل لي رسالة صوتية اخبرني بها انه في بغداد اذا أحببت رؤيته لكن للأسف الشديد لم تسمح ظروفي في حينها ان التقي به.
ربما اختلف كثيرا ببعض الآراء السياسية مع المخضرم حسن العلوي، لكني احب حديثه واحب شخصيته، من منطلق حبي لأستاذي محسن حسين، كوني اعرف جيدا درجة علاقتهما الممتدة لعشرات السنين، إضافة الى ذلك اشعر بان هناك الكثير من المشتركات بينهما، أولهما العمر الذي يجمعهما الذي وصل الى الـ 86 عاما، وهو بالتأكيد عمر طويل اكتسبا من خلاله خبرة الحياة وطريقة التعامل.
اما محسن حسين، فهذا الرجل لي معه تاريخ طويل من عمري الصحفي وافخر اني اول من اطلق عليه لقب (شيخ الصحفيين العراقيين) واخذ هذا اللقب يتداول واصبح ايقونة في وسائل الاعلام المحلية والأجنبية، رغم ان هذا اللقب لم يعجبه وقالها لي ذات مرة : اني قبلته على مضض.
تعلمت من محسن حسين ابجديات الصحافة، ورافقته في اجمل أوقات عمري الصحفي عندما كان هو مديرا تنفيذيا ورئيس تحرير وكالة /نينا/ للأنباء، وعندما اتيت لوكالة /نينا، ربما في أواخر عام 2005، كان محسن حسين يدير أمور الوكالة من دبي ويأتي لبغداد في أوقات متقطعة، وكان مراقبا مملا، بحيث انه لا يدع لنا أي فرصة بالتقاعس عن عملنا، وبصراحة في بداية عملي في /نينا/، لم اكن احبه لصرامته وعدم مجاملته بحيث انه لا يضحك ابدا، ولا يحب لاحد ان يقبله بقبلة الترحيب حسب العادات العراقية، وما زاد عدم حبي له انه وبخني اكثر من مرة لان كان له ملاحظات على طريقة تحريري للخبر.
طبعا ان رأيه لم يكن يعجبني، لاني كنت اعتقد بنفسي اني جيد، ولم اكن اعلم بان عمل /نينا/ احترافي ولا ترضى الا خبرا احترافيا، ولم اكن اعلم اني لم اصل بعد الى الاحترافية لأحرر خبر يعجب محسن حسين.
ويبدو ان مسؤولي المباشر في ذلك الوقت الأستاذ حافظ الراوي، كان ينقل تقارير سيئة عني لمحسن حسين، فتم التوصل الى تحويلي من مندوب متفرغ الى غير متفرغ، ما يعني اني غير ملزم بدوام كامل، وراتبي ينخفض الى اقل من النصف، وبطبيعة الحال هذا الامر اصابني بإحباط شديد وحزن عميق بان أرى نفسي صحفي فاشل بوسط هؤلاء الأساتذة الكبار من الصحفيين.
لكن بدلا من يأخذ هذا الحزن مأخذه مني، ولد عندي اندفاع كبير بان اثبت للجميع وخاصة لأساتذتي محسن حسين وحافظ الراوي، باني لن اكتفي بالوصول الى مستوى مقبول يمكن ان يعيدني الى مندوب في /نينا/، بل الوصول الى مستوى الاعتماد الكبير على امكانياتي واكون اهلا لتمثيل هذه الوكالة الكبيرة.
وفعلا لم يمر شهر واحد، حتى تغيرت الصورة كليا وفهمت معنى الاحترافية في تحرير الخبر الذي تريده نينا، وكان نشاطي واضح بحيث أصبحت من ابرز الصحفيين واشهرهم في مجلس النواب وعرف عني باني اول من يحصل على المعلومة والسبق الصحفي ومن ابرز الصحفيين في /نينا/ نفسها بالإضافة الى اقراني وجيلي مثل الزملاء كاظم العطواني وحيدر حمادة واحمد كاظم وقصي الدليمي.
واتذكر ان الأستاذ حافظ الراوي (حاليا رئيس تحرير /نينا/)، ارسل بطلبي بعد شهر، واستقبلني وقال لي “محمود انت شكيت الجفن”، وقام بمفاتحة الأستاذ محسن حسين، لأوقع عقد جديد مع /نينا/ كمندوب متفرغ لها، ومن حينها تغيرت المعاملة كليا من قبل الأستاذ الزميل الراوي، وأيضا محسن حسين.
الملفت ان محسن حسين لا يمدح أي صحفي ولا يقول له (عفية)، وهذه الصفة من الصفات التي احببتها بمحسن حسين وتأثرت بها، واستخدمتها عندما تسنمت عدد من المناصب الصحفية كرئيس تحرير ومدير اخبار لعدد من الفضائيات، بل تأثرت بكل صفة من صفات محسن حسين، ولم اكن اعتبره مثلي الأعلى فحسب، انما كنت وما زلت احب كل شيء فيه، حكمته، حنكته، ذكائه، ذهنيته المتفجرة، ذاكرته، وحبه للارقام.
ورغم ان محسن حسين لم يكن يمدحني، الا اني كنت اشعر بانه كان يرعاني رعاية خاصة، بحيث انه كان يرفض ان اذهب الى البيت عندما يأتي الى العراق، ويطلب مني البقاء معه الى الليل في الوكالة لنعمل سوية على اخبار وتقارير جميلة جدا، وكنت في حينها لا يمكن ان ارفض طلبا له.
لكن لم احزن في يوم مثل حزني عندما تقاعد الأستاذ محسن حسين من /نينا/ لأسباب متعلقة بصحته، فشعرت في حينها اني فقدت أستاذا كبيرا كان يمكن ان استفيد منه اكثر، وشعرت ان الـ 6 سنوات التي قضيتها معه، لم تكن كافية لانهل من هذا المنهل العظيم، لكن عزائي الوحيد هو اني ما زلت اتواصل مع هذا الأستاذ الكبير الذي افخر باني احد تلامذته.
ومثل ما عودنا محسن حسين اثناء عملنا معه بمفاجأته الصحفية، فقد فاجئني بعد تقاعده من /نينا/، بانه شهد شهادتين بحقي ما زلت احتفظ بهما، الأولى قال لي فيها : منذ عرفتك عندما التحقت بنيا تيقنت بان لديك الموهبة للعمل الصحفي وقد حققت خلال سنوات قليلة لم يستطع اخرون ان يحققوه في عشرات السنين. والثانية قال لي فيها : انت في كل يوم تثبت انك صحفي مقتدر.
قولوا غرور باني اذكر هاتين الشهادتين، لكن عندما يشهد بحقي محسن حسين، وهو عملاق الصحافة العراقية عبر تاريخها، لا اعتبره شيء عادي، لان محسن حسين ليس كأي صحفي، ومن حقي بان افخر بهاتين الشهادتين اللتين لا اقدرهما بثمن.
واذا اردتم معرفة مكانة محسن حسين، فاذهبوا لرفيق عمره ودربه الأستاذ حسن العلوي، واسمعوا ما يقوله عن محسن حسين، آخرها حديثه قبل أيام عن محسن حسين الذي وصفه بأوصاف لا يمكن ان تتجمع الا بشخص يستحق ان يكون بهذه المكانة الصحفية العظيمة.
وما لفت انتباهي من كلام العلوي، انه وصف محسن حسين (مؤسس وكالة واع الرسمية في خمسينيات القرن الماضي) بانه مدرسة وانه الذاكرة العراقية، وان كل الأحزاب منذ العهد الملكي الى عهد حزب البعث كانت تكره محسن حسين (غير المتحزب) ، حتى الرئيس الأسبق عبد السلام عارف كان يكره محسن حسين، لكن لم يكن يستطيع الاستغناء عنه كصحفي، وكذلك حزب البعث.
عندما تحدث العلوي عن محسن حسين، كانما تحدث عن شخص اخر لا اعرفه رغم مرافقتي له لخمس او ست سنوات، فشكرا للعلوي على هذا الكلام الجميل بحق عملاق الصحافة العراقية محسن حسين، واضم صوتي له بانه لابد ان يشيد تمثال لمحسن حسين في كلية الاعلام في جامعة بغداد.

Please follow and like us:

شاهد أيضاً

التظاهرات بين السلمية والتخريب

رحيم الخالدي يعيش عالمنا اليوم وبالتحديد منطقتنا العربية، حراكا يكاد لا يستقر.. فبين حروب وتحركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.