مبادرة السكن.. لكل مواطن كفن

تقرير: محمد الحسن ‏
ثمانية وثلاثون مليون نسمة, منهم مليونين أو يزيد لا يمتلكون سكنا, لاسيما في بغداد والبصرة أو نينوى التي ‏تعد أكبر المدن العراقية.في تشرين الثاني من العام الماضي أي قبل ما يقرب العام الواحد أطلق رئيس الوزراء الحالي عادل عبد ‏المهدي مشروعاً سكنيا كبيراً لحل أزمة السكن في البلاد, قال فيه أنّ مشروعه “يشتمل على توزيع أراض ‏مملوكة للدولة على المواطنين وتمليكها لهم بالمجان, خصوصا ساكني العشوائيات والشرائح الفقيرة وتلك ‏التي تفتقر الى السكن”.


وقد وضعت حكومة عبد المهدي في حينها مجموعة من الشروط فيما يخص البيع او ‏التصرف في تلك المساكن, لدرجة انّ الامر بدا للحقيقة اقرب منه للخيال!‏
بعد حين, تبيّن أنّ القضية لم تتخطى كونها إستهلاكا إعلاميا.‏
صنّف هرم ماسلو الاحتياجات الانسانية, فوضع السكن بعد الحاجات الفسيولوجية, ولهذا معنى يرتبط بغاية ‏الإنسان, والغاية هنا هي الحصول على سكن لائق, وربما سكن فقط غير ملحوق بكلمة {لائق}!‏
ولعل هذا السبب الرئيسي الذي جعل حكومة عبد المهدي تستحوذ على القبول الشعبي في بداية ‏تشكيلها, لاسيما وأنّ الرجل يصنّف على أنّه منظراً اقتصاديا من طراز رفيع, ودائما يأخذ في الحسبان مشاكل ‏الشارع والمنغصات التي تكتنفه. ‏
أزمة طال حلّها!‏


منذ أكثر من عشرة أشهر, وآلاف العوائل تنتظر تنفيذ مبادرة السكن التي تكلم عنها رئيس الوزراء, قيل أنها ‏ستبدأ من البصرة. وليس مهماً المكان الذي تدشن خطواتها الأولى منه, بقدر الاهمية التي تنطوي عليها ‏آليات التنفيذ. فبحسب الاحصائيات الرسمية, يعيش أكثر من 13% من سكان العراق في العشوائيات وهذا ‏ما أوردته وزارة التخطيط, وهذا الاستبيان كان في العام 2017. ‏
بيانات أخرى تؤكّد أنّ العشوائيات في العراق, لاسيما بغداد, هي الأكبر في العالم.
وعزت تلك البيانات تنامي ‏ظاهرة العشوائيات الى الفساد وسوء الادارة والتخطيط وضعف تطبيق القانون, الأمر الذي أفضى إلى ‏استفحال ازمة السكن والفقر وبالتالي تحوّلت العشوائيات الى ظاهرة اجتماعية تعاني منها المدينة العراقية.‏
‏المدير العام التنفيذي للتخفيف من الفقر في وزارة التخطيط نجلاء علي مراد, قالت في وقت سابق بأنّ أكثر ‏من مليونين وخمسمئة ألف مواطن يسكنون في 1552 عشوائية منتشرة في عموم العراق تضم أكثر ‏من 347 ألف وحدة سكنية, وقد أحتلت بغداد المرتبة الأولى في عدد العشوائيات.
هذا العدد ضمن ‏أحصائيات العام 2015, بمعنى أنّ النسبة في تزايد مستمر.


في العام 2017 ارتفعت نسبة العشوائيات ‏بحسب تصريح عبد الزهرة الهنداوي المتحدث بإسم وزارة التخطيط الى “ثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف مواطن ‏يعيشيون في العشوائيات المنتشرة في مختلف المحافظات. ‏
النائب الاول السابق لمحافظ بغداد جاسم البخاتي كشف عن وجود 600 منطقة عشوائية في العاصمة بغداد ‏في تموز من العام 2018. ‏
من كل الذي تقدم؛ فأنّ نسبة كبيرة من الشعب العراقي تعيش في العشوائيات كبيوت مستقرة, وأي سطو ‏على تلك المساكن فأنّ إستقرار هؤلاء السكان سيتعرض للخطر.
ولعل هذا السبب الرئيسي الذي جعل ‏حكومة عبد المهدي تفكر في إنهاء هذه الأزمة عبر إقرار وتنفيذ مبادرة السكن, والبداية من البصرة!‏
البصرة.. بداية الظلم!‏


قال رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أنّ مبادرة السكن ستدشن من البصرة, ولكن الذي حدث مختلف تماماً. ‏حيث أقدمت حكومة عاصمة الاقتصاد العراقي المحلية, على تهديم بيوت المواطنين {المتجاوزين} وبنفس ‏الوقت قامت بهدم المحال التجارية في المناطق المتجاوز عليها. ‏
غياب البديل..!‏
لا شك أنّ حكومة عادل عبد المهدي لا تريد إضافة مشكلة جديدة الى سلة المشاكل التي حملتها من ‏الموروث السابق. فالتعيينات مثلا, للحكومة رأي بها, إذ صرح رئيس الوزراء أكثر من مرة عن ترهل ‏الهيكل الاداري للدولة وعدم استيعابها للمزيد من التعيينات, وهذا يعني أنّ مشكلة البطالة في العراق بحاجة ‏إلى توقّف لا تزايد! وتهديم المحال التجارية, والاسواق المتجاوزة للمواطنين, تفضي الى مفاقمة أزمة ‏البطالة وإضافة إحتياطي جديد إلى جيوش البطالة التي تدافع ضد إستقرار البلاد!‏


أزمة مضاعفة..!‏
اما بخصوص أزمة السكن, فمن البديهي القول أن تهديم دور المتجاوزين سيؤدي بالنهاية إلى مضاعفة ‏الازمة. وبنفس الوقت لا يمكن أخذ مبادرة السكن بنظر الاعتبار, طالما طغى عليها الجانب السلبي، فالأمر ‏يبدو وكأنه استهدافا للمواطن البسيط, وتحدياً لرغبته بالعيش. وبدلا من أن تبدأ مبادرة السكن من البصرة, ‏فقد دشنت مفاقمة الازمة من عاصمة العراق الاقتصادية, إذ تستمر حلمة إزالة التجاوزات في المدينة. ‏
إجراءات عاجلة!‏
قبل تدشين حملة رفع التجاوزات في المدينة, إجتمع رئيس الوزراء عبد المهدي بمحافظ البصرة اسعد ‏العيداني, وقد وجهه بالاسراع في اجراءات توزيع قطع الاراضي السكنية على المستحقين لها بحسب بيان ‏صادر عن مكتب رئيس الوزراء في تموز الماضي. حكومة البصرة المحلية أخفقت في تنفيذ ذلك التوجيه, ‏ونجحت في إبتزاز الناس عبر إزالة محالهم التجارية ومنازلهم.


عضو مجلس محافظة البصرة علي الفارس ‏أكّد أنّ تأخر العيداني في تلك الاجراءات نابع عن التخبط الاداري وسوء التعاطي مع هذه الازمة على ‏الرغم من توافر الاراضي الملائمة لإسكان الفقراء. ‏
كربلاء.. تظاهرة المتجاوزين!‏
ومن أقصى الجنوب الى وسط العراق, فقد تظاهر اصحاب المنازل “المتجاوزة” أمام مبنى محافظة كربلاء ‏للمطالبة بإيقاف هدم منازلهم. الامر الذي أدى إلى إيقاف ذلك الهدم, ولو مؤقتا. ‏
تناقضات حكومية!‏
أصدرت الحكومة مبادرة السكن للقضاء على أزمة لها وجود في الواقع, ولكنها تلكأت في تنفيذ الايجاب ‏منها, ونشطت في تنفيذ الجزء السلبي, إذ أقدمت على تهديم دور المتجاوزين, مع الاخذ بنظر الاعتبار أنّ ‏التجاوز أصبح ظاهرة (لا يعاقب عليها القانون) وفق العرف السائد, فطالما صمتت الحكومة عن تنفيذ ‏إلتزاماتها بتوفير حق السكن, لا تستطيع حينها أن تحاسب من يبحث على دار تأويه. ‏


اما النوع الآخر ن التجاوز, ونعني به المحال التجارية, فقد صرّح عبد المهدي ذات يوم أنّ الجهاز ‏الاداري للدولة مترهل ولا يستوعب الكثير من التعيينات, وهذا يعني أنّ الحكومة ستلجأ الى تشجيع ‏الاستثمارات والاعمال الشخصية, لا أن تحاربها وتعمل على تهديم أبواب رزق العاطلين بحسب ما يؤكّده ‏أصحاب المحال التجارية التي تتعرض للهدم في مناطق العراق المختلفة.انتهى

Please follow and like us:

شاهد أيضاً

الزواج بالإكراه.. ظاهرة تستخف بالمرأة

ميساء الهلالي يقال إن عجوزين ريفيين لعبا الدومينو ومع تزايد حماسهما، زادت الرهانات وكان آخر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.