سيكولوجية الجماهير

د. نبراس المعموري

“معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها” غوستاف ليبون

اهتم عدد كبير من علماء النفس الاجتماعي  بدراسة السلوك الجمعي للجمهور لما يترتب عليه من تغيير خاصة سلوك الافراد عند تجمهرهم واجتماعهم في مكان معين والذي يعكس اختلافا واضحا  عن الصفات الاعتيادية التي تميز سلوكهم عندما يكونون في حالة استقلال وانفراد بعيدا عن المجموعة.

اول من كتب عن السلوك الجمعي هو العالم النفساني الفرنسي كوستاف ليبون الذي الف كتابه المشهور “سيكولوجية الجمهور” عام 1896، ابان الاحداث الثورية في فرنسا،  والتي تطلبت منه البحث في  أزمات الأنظمة الديمقراطية، و اسباب ظهور القوى الشعبية والثورية، التي كانت سببا رئيسيا في احداث تغييرات كبيرة في بلده، وفي  بلورة نظريته المتعلقة بدراسة الجمهور والسلوك الجمعي غير المنظم  .

كتاب سيكولوجية الجماهير يمثل  قراءة واسعة عن سلوك الفرد والجماعة،  وكيفية توجيهها من قبل السلطة بمختلف تخصصاتها، و يمكن القول ان الكتاب بحث في علم النفس الفردي و علم النفس الاجتماعي ، سيما انه درس سلوك الفرد و مدى انسجامه  داخل المجتمع، مفسرا سلوكيات الجمهور بأنها تعود إلى العرق و ان كل فرد ينتمي إلى عدة أرواح جماعية ” روح عرقه، روح طبقته وروح طائفته”.

و التساؤل الأهم الذي يطرحه الكتاب .. كيف يمكن للقادة أن يسيطروا على  جماهير تمتلك هذا الحجم من الارواح؟

لقد صنف ليبون الأشخاص الذين ينتمون إلى جمهور معين أنهم هامشيون وشاذون عن المجتمع، و اطلق عليهم تسمية “القطيع “، ويفسر اطلاقه التسمية ؛ بان الجماهير تنصهر و تذوب روحها الفردية داخل المجموعة، و هذا يؤدي الى انخفاض مستوى سيطرة العقل وسطوة العاطفة المتطرفة على قناعاتهم وقراراتهم التي تؤدي الى الاستجابة لمبادئ خاطئة، تسهل القيام بتصرفات سلبية، كما ان الغريزة الثورية، تبقى أمرًا مهيمنًا على روح الجماعة ، وان الأفكار الثورية لا تؤثر في الجماهير إلا إذا أدخلت إلى حالة اللاوعي وتحولت إلى عواطف، و عليه لا يمكن  تحريك جمهور وتحويله لقطيع إلا عن طريق عاطفته المتطرفة ، و جذبه للتيار الذي يرغب فيه رئيس القطيع بكل سهولة، لذلك فالحيادي الموضوعي لا يمكن أن يكون داخل القطيع أبدًا!

 و حسب ليبون فإن الجماهير سواء اكانت في مكان واحد، او في اماكن مختلفة من العالم؛ بطبعها تميل إلى حب السلطة القوية والتنمر على السلطة الضعيفة، وفي حال كانت السلطة تتأرجح بين النوعين فإن الجمهور سيتأرجح بين الالتزام والفوضى.

انصب هدف كتاب سيكولوجية الجماهير على اليات السيطرة على الجماهير، وبمقارنة مع ابحاث ودراسات علم النفس في عصرنا الحديث نجدها قد اختلفت كونها اخذت تركز على شروط و اسباب ولادة سلوك جماهيري جمعي منظم، خاصة مع انتشار حركات المطالبة استبدال الانظمة الدكتاتورية بالانظمة الديمقراطية وتصاعد الحركات الثورية الساعية للتغيير  .

 وامام ما طرحه ليبون قبل قرنيين و ما يطرحه باحثوا علم النفس حديثا نجد ان المجتمعات مهما اختلفت اماكنها وثقافاتها الا انها في النهاية اجتمعت تحت خيمة مظلة النظريات بأنواع ثلاث وهي :

  • نظريات تفسر السلوك الجمعي بانه انتقال سريع للاقكار والقناعات بين  الجمهور دون اي تفكير او اعتراض وتغلب عليه العاطفة، وهذه النظريات تتجسد في آراء ليبون.
  • نظريات  تفسر السلوك الجمعي على اساس تكتل الافراد لتشابه افكارهم واهدافهم.
  • نظريات تعتقد ان السلوك الجمعي يعتمد على مقياس اجتماعي يظهر في حالات معينة.
Please follow and like us:

شاهد أيضاً

كاريكاتير مجلة صوتها

حلوى العيد Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.