العاصوف.. بيوت من تراب

نبراس المعموري

مسلسل “العاصوف – الريح الشديدة” الذي يعرض.. حاليا.. من على قناة “أم.بي.سي” أثار جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد بث الحلقة الاولى.. رسائل عديدة من خلال أسلوب درامي مشوّق لا يخلو من كوميديا الموقف، يجعلنا في دائرة الاستفهام بين قبول ما طرح ورفضه على اقل تقدير من قبل السعوديين كونهم المعنيين بشكل مباشر باحداث المسلسل.

المسلسل مأخوذ من رواية للكاتب السعودي الراحل عبد الرحمن الوابلي “بيوت من تراب” ذات بعد ملحمي تتناول العقود الخمسة الماضية، وتحديداً حقبة السبعينيات، التي جذبت المشاهد مؤيدا ومعارضا؛ فالاحداث الشيقة التي عكسها المسلسل، شكلت مراجعة واقعية للمنعطفات التي مرت بها المنطقة وما تلاها من متغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية لا سيما دور التيارات الاسلامية المتشددة وظهور رجال الدين على واجهة الحياة الاجتماعية فيما بعد.

السيناريو عكس طبيعة الحياة البسيطة التواقة لنشر السعادة انذاك مع تنامي ظهورخفي للحركات المتطرفة والتي اطلق عليها “الصحوة” وكيف كان لون حياة السعوديين، ولعل هذا اللون كان صفة اغلب المجتمعات العربية قبل ظهور التيارات المتشددة كلون اغنية الراحلة سعاد حسني (بمبي). فرغم بساطة الحياة وعدم وجود التقنيات الجديثة، الا ان المشاهد عكست جمالية حياة اهل الحي والروابط المتينة التي تجمعهم سواء في المناسبات او الايام الاعتيادية، وهذا ما جعلني اعيد ذاكرتي لحياة الطفولة ابان السبعينيات واوائل الثمانينيات في العراق، فمع اجواء الحرب العراقية الايرانية الا اننا كنا في انفاسنا الاخيرة المعبقة باللون البمبي لبساطتها وطيبتها وعذريتها، ولم نكتشف الحقيقة الا بعد ان فقدنا ما ترتب عن الوعي الفكري والاجتماعي لمنتصف القرن الماضي.

تجميل الحقيقة افظع من بشاعتها ولعل البداية الجريئة للمسلسل، بامراة تضع مولودا جديدا عند باب المسجد، كاشفا فيما بعد أن الطفل قد يكون ثمرة علاقة محرمة، يعيد للاذهان مئات الحكيات التي سمعناها عن وجود اطفال عند المزابل او في البساتين، تنهشهم القوارض والحشرات.. اعترض بعض المغردين في تويتر بقولهم ان المجتمع السعودي.. مجتمع محافظ لا يصل لهذا المستوى وطالب الكثير منهم بإيقاف عرض المسلسل الذي يصور بحسب رايهم مظاهر بغاء وخيانة تسيء لمجتمعهم وضرورة محاسبة بطل المسلسل والمشرف عليه ناصر القصبي! ولعل تصريحاتهم لا تختلف عما يصرح به العراقيون او المجتمعات الاخرى من دول الجوار حينما تطرح قضية تكتم عليها الاعلام والراي العام خاصة تلك التي تمتاز ببعد اخلاقي ويعدونه تجنيَ على تاريخم وقيمهم… ازدواجية مقيتة.

العاصوف اكد لنا ان الريح الشديدة تمكنت من مجتمعاتنا وازاحت بيوتنا ولم ندرك خطورة ان تكون دارنا ترابا لا حجرا مرصوصا.. نحتاج للعاصوف لكن لا ليعصف بحياتنا بل ليعصف بتجار السياسة والدين الذين جعلوا الخطاب الرسالي، مراءاة نفعية، قالبين الحياة راسا على عقب.. إنها رسالة ما بعد الانتخابات، التي تحتاج دراما وطنية تتمكن من ادواتها كما تمكن الاخرون.. اين هم ابطال مؤتمرات النهوض بالدراما العراقية؟؟

 

 

 

Please follow and like us:

شاهد أيضاً

خيول الساعات

د.نبراس المعموري للساعات حكايات تنفرد بأرشفة الذكريات، أكثر مشاهدها أثارة رقاص حائطها، وهويعلن أنقراض الثواني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.